أبي حيان التوحيدي

300

المقابسات

وسمعت أبا سليمان يقول للجرجاني الكاتب ، وكان يحدث نفسه بالوزارة : أيها الرجل ، إن الدنيا نار ذات دخان ، فلو ساوت عن صلائها لدخانها ، لكان أجدى وأسلم ؟ فقال : أفلا أصبر على دخانها لا تنفع بضيائها ، واستمتع بصلائها ؟ فقال : ما أحسن هذه العارضة ! لو كنت في الاستمتاع بضيائها على ثقة ومن الانتفاع بصلائها على يقين ؟ وكنت إذا أدركت ذلك دام عليك وصفا لك ! فأما والعادة جارية بخلاف قولك وبضد « 1 » اقتراحك وتوهمك ، فلا فقال الجرجاني : اللّه الموفق وهو حسبي فقال أبو سليمان : حكم الكتاب وأصحاب الخطابة مخايل ، تصدق قليلا وتكذب كثيرا ، ليس لها رسوخ في القلب ، ولا ثبات في العقد . فلما قتل الجرجاني قال أبو سليمان : مسكين ذلك الرجل ، صبر على دخانها [ إلى ] أن اختنق ، وتعرض لصلائها حتى احترق . ثم قال : اللهم لا تكلنا إلا إليك ، ولا ترغبنا إلا فيما لديك ، ولا تعرضنا إلا لطلب ما عندك ، إنا لعجزة عن قدرة نطلبها بنا ، وضعفة عن قوة ندعيها فينا ، أرنا الحق حقا ثم هيئنا لاتباعه ، وأرنا الباطل باطلا ثم وفقنا للاعراض عنه ، يا من يملك العيان والخبر ويرينا بهما العجائب والعبر قد قوى رأيي أدام اللّه توفيقك أن لا تكون هذه المقابسة في هذا الموضع كأنها ناكبة عن أخواتها المواضى [ و ] لكنها على حال قد أخذت بنصيبها من الحسن ، ولعلها تفيد بعض الفائدة قيل لأبى سليمان : [ لما ذا ] إذا جدّ السؤال جد المنع به فقال : لأن الحال يلتبس بشيء كالاغراء والاكداء والأرجاء ، فيقع للمسئول أنه قد ظلم ، وأن السائل قد اعتدى ، فإذا استقر هذا في نفسه

--> ( 1 ) في الأصول : وبمثل